ملا محمد مهدي النراقي
253
انيس المجتهدين في علم الأصول
التزام التكاليف الشرعيّة ، وهي ليست بطبيعيّة ، والأصل ما يقتضيه الطبع . ولا يعارضه ما روي أنّ كلّ مولود يولد على الفطرة « 1 » ؛ لأنّ المراد منه معرفة التوحيد . ومنها : الضبط ، وليس المراد منه عدم السهو أصلا ؛ لأنّه لا يوجد في غير المعصوم ، بل رجحان الذكر على السهو ، ولا خلاف في اشتراطه ؛ إذ مع التساوي أو المرجوحيّة لا يحصل الظنّ بصحّة ما رواه ؛ إذ ربما يسهو فيزيد ، أو ينقص بحيث يضطرب به معنى الحديث ، أو يبدّل لفظا بآخر إلى غير ذلك ممّا يختلف به الحكم . ويعرف ضبطه بأن يذكر أشياء كثيرة مرّة بعد أخرى من غير تغيّر يختلف به المعنى ، وأن يعتبر رواياته بروايات الثقات المشهورين بالضبط والإتقان ، فإن وافقهم « 2 » غالبا ولو في المعنى ، عرف أنّه ضابط ، وإلّا علم اختلاله . والحكم بصحّة الحديث بمجرّد توثيق علماء الرجال رواية « 3 » من غير نصّ على ضبطهم لاندراجه « 4 » في لفظ « ثقة » فإنّهم يريدون به العدل الضابط ؛ لأنّه من الوثوق ولا وثوق بمن لا ضبط له . وهذا هو السرّ في اختيار هذا اللفظ من سائر ألفاظ التعديل . ولقائل أن يمنع ذلك ؛ فإنّ التصفّح يعطي عدم ضبط طائفة صرّحوا بتوثيقهم ؛ فإنّهم ذكروا أنّ حبيب بن معلّى الخثعمي ثقة ثقة « 5 » ، مع أنّه روي في الفقيه أنّه سأل حبيب بن المعلّى أبا عبد اللّه عليه السّلام ، فقال : « إنّي رجل كثير السهو ، فما أحفظ عليّ صلاتي » « 6 » . انتهى . والظاهر أنّه الخثعمي لا السجستاني ؛ لعدم رواية الصدوق عنه كما يظهر عن مشيخته ، فعلى هذا لا منافاة بين الاعتماد بقول رجل يكون سهوه أكثر من ذكره ، أو مساويا له . والسرّ فيه : أنّ من هذا شأنه يكون كثير المراجعة والمذاكرة ، وشأنه الإثبات في أصل جامع عند السماع ، فلا يفوت منه شيء .
--> ( 1 ) . الكافي 2 : 12 ، باب فطرة الخلق على التوحيد ، ح 4 . ( 2 ) . كذا في النسختين . والأولى : « فإن وافقتها » - بقرينة « ولو في المعنى » - كما في قوانين الأصول 1 : 463 . ( 3 ) . كذا في النسختين . والصحيح : « رواته » بقرينة « ضبطهم » . ( 4 ) . متعلّق بمقدّر خبر لقوله : « الحكم » . ( 5 ) . رجال النجاشي : 141 ، الرقم 368 . ( 6 ) . الفقيه 1 : 255 ، ح 781 . ليس فيه : « عليّ » .